عماد الدين خليل
22
دراسة في السيرة
رسوله إنما هناك ( الهدف ) الذي يفرض أحيانا ( وقفة ) ضد الأعراف والظروف و ( تمردا ) عليها و ( انقلابا ) شاملا على مواضعاتها ، وهذا ما يبدو واضحا منذ أول لحظة ، في الشعار الحاسم الذي طرحه الرسول صلى اللّه عليه وسلم بوجه الجاهلية ( لا إله إلا اللّه ! ! ) ، فأي ظرف راهن ، موقوت ، أوحى بهذا الشعار الانقلابي الشامل الذي جاء يدمر على الوجود الجاهلي جلّ قيمه وأهدافه ومعالمه ومفاهيمه وعاداته وتقاليده ؟ ! إن توماس أرنولد يشير إلى ذلك بوضوح عندما يقول « لا يعزب عن البال كيف ظهر جليا أن الإسلام حركة حديثة العهد في بلاد العرب الوثنية ، وكيف كانت تتعارض والمثل العليا في هذين المجتمعين تعارضا تاما . ذلك أن دخول الإسلام في المجتمع العربي لم يدل على مجرد القضاء على قليل من عادات بربرية وحشية فحسب وإنما كان انقلابا كاملا لمثل الحياة التي كانت من قبل . . . والواقع أن المبادئ الأساسية في دعوة محمد كانت تعارض كثيرا ما كان ينظر إليه العرب نظرة ملؤها التقدير والإجلال حتى ذلك الحين ، كما أنها كانت تعلّم حديثي العهد بالإسلام أن يعدوا من الفضائل صفات كانوا قبل إسلامهم ينظرون إليها نظرة الاحتقار » « 1 » . إن القرآن الكريم كان قضية فوقية جاءت آياته لتقود الإنسان في كل زمان ومكان إلى عصر جديد ، ولم يكن ( ينفعل ) انفعالا مؤقتا بالوضع السائد ، سلبا وإيجابا ، كما يتصور معظم المستشرقين مسيحيين وماركسيين ، وإنما كان ينظر نظرة شمولية بعيدة كل البعد عن ردّ الفعل المباشر ، وهذا هو الذي يفسر لنا الكثير من الأخطاء التي مارستها مناهج البحث الغربية . ونحن لا نطلب من الغربيين هنا أن يؤمنوا أن القرآن منزل من السماء وأن محمدا رسول . . وإنما نطلب أن يكونوا أكثر تجرّدا وموضوعية فينظروا إلى سيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم كوحدة عضوية متكاملة ، وإلى القرآن الكريم كبرنامج Ideology مترابط ، تعلو معطياته على الظروف الموقوتة زمانا ومكانا ، رغم ملامساتها اليومية المباشرة للوقائع الزمانية والمكانية ، ولكنها الملامسة التي تنبثق عنها قيم ودلالات
--> ( 1 ) الدعوة إلى الإسلام ص 61 - 62 ، وانظر بالتفصيل غولدتسيهر في مؤلفه : Muhammedanis che Studien , Vol . i .